الثلاثاء. يونيو 25th, 2024

مضت حتى الآن ثلاثة أشهر على اندلاع الحراك الثوري في السويداء، ومن يتابع هذا الحراك يرى أن يومياته أصبحت متشابهة ولا جديد فيها. غياب الحل الثوري منذ البداية أدى إلى حالة من زوال الأفق والتي أدت بدورها إلى صعود تيارات انتهازية ويمينية تروّج لمشاريع بائسة مثل “الإدارة الذاتية” و”القرار الأممي 2254 “.

لن نبالغ إذا كتبنا أن اقتصار الساحة الصحفية على هذه الأنواع الموجودة من الصحافة هو عامل مساهم في هذا الواقع المرير. عندما تسأل أحدهم عن سبب متابعته الصفحات الإخبارية المحلية ستكون اجابته: ” لأنني أريد معرفة الحقيقة”، ولن يخطر بباله في كثير من الأحيان أن المحتوى الصحفي وطرق عرض الحقائق على مثل هاته القنوات التلفزيونية والصفحات على وسائل تواصل اجتماعي قد تم إعدادها مسبقاُ بموجب عرف صحفي لتوجيه أفكاره والتأثير على عواطفه ودفعهما في أي اتجاه ممكن باستثناء طريق الثورة التي سوف تحرر الجماهير.

الإعلام يلعب دورا محوريا في جميع نواحي الحياة، فهو يساهم إلى حد كبير في تشكيل نظرة البشر للعالم من حولهم، ناهيك عن قدرته على التأثير على مجريات التاريخ وشرعنة الشر وشيطنة الخير وتحريك الثورات وإسقاط الأنظمة. الحراك الشعبي المستمر ليس استثناءً, فهو يتأثر بالصحافة التي تغطيه إلى حدٍ كبير. هذا يدفعنا للتساؤل إذا ما كانت الصحافة السائدة حالياً من صحافة محلية إلكترونية غالباً والإعلام المعارض تقوم بدور إيجابي يدفع بالثورة إلى الأمام.

ما زالت الحقيقة الثورية هي الضحية الأولى

الإعلام البرجوازي يحرص على نشر أبسط الحقائق على الطريقة التي يفضلها الممولون، ولكن من هم الممولون؟ الأنظمة الرجعية في المنطقة والرأسماليون والمنظمات غير الحكومية التي تمثل مصالح رأس المال. أي الجهات التي لا تملك أدنى رغبة في تغيير الواقع. إذا ما نظرنا إلى أحداث السويداء الآن و في الوقت الذي يبذل فيه الثوريون قصارى جهدهم لمحاولة إبداء الرأي النقدي الذي قد يطور الموقع الثوري للشارع نجد أن القنوات التلفزيونية والصفحات المحلية تصب تركيزها على إغراق القارئ بتفاصيل من دون اتخاذ أي موقف تحليلي نقدي منها.

على سبيل المثال كان الشغل الشاغل للصفحات المحلية في الشهر الثاني من الاحتجاجات هو تسليط الضوء على الاتصالات التي يتلقاها الشيخ حكمت الهجري ممثل الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز من برلمانيين غربيين. الكم الهائل من التفاصيل التي تم طرحها على صفحاتهم أوهم الشارع أن الشيخ حكمت الهجري نجح وبشكل بارع بتشكيل دعم عالمي وحاضنة للتقدم خطوة للأمام ولكن لم تأت هذه الصفحات إلى ذكر حقيقة مفادها أن كل هذه الاتصالات لا تتعدى كونها جزءاً من الدعاية الانتخابية لهؤلاء البرلمانيين الانتهازيين.

لم يتوقف الأمر عند إيهام الجماهير بانتصارات أصبحت قاب قوسين أو أدنى، بل تجاوزتها إلى ارتكاب أخطاء مهنية فادحة. بعد اتصال أجرته عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر، كاترين لانغزيبن، بالشيخ حكمت الهجري، قامت إحدى الصفحات المحلية في محافظة السويداء بتقديم عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الألماني بصفة سياسية تُعتبر ملزِمة لهذا البرلمان وبأنها مفوضة عنه وتتحدث باسمه. لكن لانغزيبن كانت في الحقيقة تتحدث باسمها وليس باسم البرلمان. هذه الصفحة قامت لاحقاً بتعديل الخبر وتصحيح الخطأ السياسي وغير المهني بعد أن قمنا في البديل الماركسي بفضحه.

☭ كيف يجب أن تتعاطى الصحافة الثورية مع مثل هذه المثال؟

لا بد هنا من ذكر الحقائق من دون أي مراوغة، فما يحدث في السويداء ليس بحالة استثنائية بل هي حالة تكررت في الكثير من الأمكنة و الأزمنة ، وقد تكلم عنها كارل ماركس بكل وضوح في كتابه ” الثامن عشر من بروميير”.

هذه المظاهرات وما هي عليه من غياب للقيادة الثورية والأفق يقتضي أن تلبس ثوب الماضي من أجل الحصول على الشرعية. على الرغم من أنّ قدمي الشيخ حكمت الهجري لم تطأَ ساحة التظاهر حتى الآن إلا أن صورته تدخل الساحة قبل المتظاهرين أنفسهم مع تعالي أصوات الأهازيج الشعبية التي تنادي بقيادته، يكاد لا يمر يوم إلا ونرى فيه وفوداً شعبية ذاهبة لزيارة منزل الشيخ حكمت الهجري. حتى الكثير من الأحزاب السياسية أصبحت تزور منزله ليبارك لهم بياناً قد أصدروه أو مشروعاً يريدون أن يتبنوه. وفي هذا السياق لا بد من ذكر هذا الاقتباس من كتاب الثامن عشر من بروميير لكارل ماركس:

“إن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم ؛ إنهم لا يصنعونه على هواهم . إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي . إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء و عندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، و في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجؤون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء لكي يمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم وفي هذه اللغة المستعارة”.

الشيخ حكمت الهجري و التيارات السياسية المتواجدة الآن في الساحة هم جزء من الطبقة السائدة. إن زالت هذه الطبقة سوف تزول بالضرورة الامتيازات التي يمتلكونها أو التي يسعون لامتلاكها عندما يصلون للسلطة. لذلك نراهم يسعون لتغيير السلطة فقط وليس النظام ولإجراء هذا هم ليسوا بحاجة لبرنامج ثوري و إنما فقط لاستحضار أرواح و أزياء و أسماء الماضي لتخدم مصالحهم. الآلاف من المتظاهرين كانوا يتصورون أنهم على طريق الثورة ، ولكنهم وجدوا أنفسهم فجأةً قد بدأوا بالدخول في أزمنةٍ انقرضت.

وفي هذا السياق، ما الذي سيكون أفضل للدول الغربية أكثر من أرواح الماضي هذه لتجري اتصالات يومية معها؟ هذه الأرواح هي التي سوف تضمن بقاء شعوب المنطقة في عصور انقرضت فعلاً، مبقيةً الساحة الثورية فارغة من أي قيادة. مع الزمن سوف تتسرب من هذا الفراغ أنظمة ستكون بالضرورة خاضعة لرغبات رأسي المال الشرقي و الغربي لكي تضمن استمرارها بالسلطة.

لا يمكن أن تكون الصحافة “ثورية” إن لم تأتي على ذكر ما ذكرناه أعلاه. أما أن تقوم الصحافة بتغطية يومية للمظاهرات و الإضرابات بمنشورات تبدأ بكلمة ” شاهد” لا يعني أنها صحافة ثورية.

☭ كيف يمكن أن تكون الصحافة حرة؟

يدّعي الليبراليون بأن صحافتهم البرجوازية حرة ولكن هذا ليس أكثر من محض هراء. لتكون الصحافة الحرة لا يكفي أن تكون محررة من الرقابة الأمنية فقط, وإنما أن تكون محررة أيضاً من تأثير رأس المال وعليه فإن أي صحافة ممولة من جهات بعينها (رؤوس أموال أو حكومات) لا يمكن أن تكون حرة حقاً.

إن انهاء عبودية القلم واللسان هو أحد أكبر المهام التي تقع على عاتق الثوريين الآن. لا بد للماركسيين من العمل الجاد من أجل تحرير الصحافة ووضع حد للصحافة البرجوازية التي تخنق كل ما هو حي وغض. لا يمكن للصحافة أن تكون حرة في مجتمع تحكمه طبقة برجوازية تشكل أقلية في المجتمع.

عندما نتحدث عن وضع وسائل الإنتاج في يد المجتمع بأكمله وليس في يد طغمة من البرجوازيين فإننا نقصد وسائل الإعلام أيضاً. فلا يمكن لوسائل انتاج معلومة يتحكم بها واحد بالمئة من المجتمع أن تكون حرة. وعليه فإن تحرير الصحافة يتطلب أولاً تغيير الواقع المادي الذي أدى لأسرها, الواقع المتمثل بسيطرة الطبقة البرجوازية على وسائل الإنتاج وهو ما أِشار له ليون تروتسكي في مقاله حرية الصحافة والطبقة العاملة وهنا نقتبس :

” وبمجرد اتخاذ هذه الخطوة الجوهرية نحو الاشتراكية، يجب أن تكون كل تيارات الرأي التي لم تحمل السلاح ضد دكتاتورية البروليتاريا قادرة على التعبير عن نفسها بحرية. ويصبح واجباً على الدولة العمالية أن تضع بين أيديهم الوسائل التقنية اللازمة لذلك، من المطابع والورق ووسائل النقل، وذلك حسب وزنهم النسبي في المجتمع. إن أحد الأسباب الرئيسية لانحطاط آلة الدولة هو احتكار البيروقراطية الستالينية للصحافة، والذي يهدد بدوره بتحويل كل مكاسب ثورة أكتوبر إلى كومة من الخراب”.

☭ لماذا الصحافة الثورية ضرورة أساسية؟

لقد أكدت ثورات الربيع العربي أن الجماهير لا يمكنها تحقيق أهدافها بدون وجود حزب ثوري قادر على حسم السلطة لصالحها ضد النظام والثورة المضادة في الوقت المناسب. لذلك فإن من أبرز مهام الصحافة الثورية الآن, بالإضافة إلى تقديم الرأي الثوري الذي ينطلق من الواقع المادي وليس من الأحلام, هو تسليح الثوريين الأكثر راديكالية بالنظرية الثورية واجتذابهم إلى صفوف الحزب الثوري. هكذا فقط يمكن وقف صعود اليمين والثورة المضادة. لا يجب على الصحافة الثورية أن تتكلم فقط عن المعاناة والمطالب وشقاء الجماهير والشعارات والفعاليات التي تقوم بها الجماهير العفوية, بل ينبغي عليها أيضاً تقديم أفكار واضحة حول ما يمكن عمله بهذا الخصوص.

في مقالة “مهمتنا العاجلة”، لعام 1899، ركز لينين على كلمة ” تحليل”، وهو ما يعني ضرورة تحليل الواقع والأحداث وليس سردها فقط، إن أخطر ما تعانيه الثورات هم هؤلاء الذين يحقرون من دور النظرية الثورية. الوضوح النظري هو أساس لأي حركة ثورية وهو ما يثبّت الأخلاق الثورية التي تُعتبر الرافعة الأساسية للثورة.

غياب النظرية والأخلاق الثورية يعني بكل بساطة جعل الحراك حبيسا ضمن ممارسات ضيقة وجعل السلوك الثوري يعاني من ازدواجية ويدمر الصلة بين الشعارات المطروحة وآلية تطبيقها. من هنا أيضاً تنبع أهمية الدور الذي تلعبه الصحافة الثورية من حيث ضرورة تقديم الحلول وفق منظور ماركسي ومخاطبة العقل وليس المشاعر, فما تريده الجماهير الآن هو معرفة ماهية عدوهم الطبقي وكيفية الوصول لأهدافهم وليس سماع الأغاني والأهازيج التي تداعب المشاعر وتخدر العقل كما في محتوى الإعلام البرجوازي.

إن أهمية الإعلام الثوري تنبع من أنه الركيزة الأٍساسية كي لا ينحصر النضال فقط في الميدان الاقتصادي وإنما نقله للميدان السياسي الذي تقوده إيديولوجيا ثورية تعي الصراع الطبقي, أي إيديولوجية ماركسية.

☭ ما العمل؟

أفضل تكتيك الآن للنضال ضد الصحافة البرجوازية هي أن تتطور الصحافة العمالية. الثورة في سوريا والمنطقة لم تنتهِ بعد. لم يعد بوسع الأنظمة الطبقية وداعميها الرأسماليين العودة للاستقرار ولكن الطبقات المسحوقة ما زالت غير قادرة على حسم الصراع لصالحها أيضاً. لذلك فإنه ومهما كان الأمر فإن واقع نصف الثورة هذا يجبرنا على أن نشرع بتنظيم القضية تنظيماً ديمقراطياً مركزياً وأن تكون الصحافة الثورية هي أحد أهم اهتماماتنا المركزية.

إن الصحافة الثورية كما وصفها لينين هي جزءاً من منفاخ حدادة هائل ينفخ في كل شرارات النضال الطبقي والسخط الشعبي ويجعل منها حريقاً عاماً.

هذه الصحافة سوف تربي جيلاً كاملاً من المناضلين الثوريين لينهضوا ويقودوا الطبقات المسحوقة كلها للاقتصاص من عناصر النظام الطبقي الجاثم على صدر سوريا.

إلى الأمام من أجل الصحافة العمالية إلى الأمام من أجل الحزب الثوري.